الثلاثاء، 8 فبراير 2011

انا انتويت وانتهيت


انا انتويت وانتهيت  ..!!
باسم ابو سمية
هذا الاسيوع لم اكن انتوي الكتابة عن ثورة الياسمين التونسية التي اطاحت بزين العابدين فازاحت كابوسه الذي جثم على صدور التوانسة عشرات الاعوام وسرعان ما رحل عن البلاد بين عشية وضحاها محملا بالذهب والفضة والمال الكثيرالى مدينة جدة في السعودية ليجد نفسه غارقا في مياه الفيضان ، كما لم اكن انتوي الكتابة عن ثورة الشباب المصاروة  بانتظار ان يتحقق حلمهم في تغيير النظام الحاكم منذ ثلاثين سنة جربوا خلالها كل اصناف التجويع والاذلال ، الا ان عدم انتوائي  قد تحول الى انتواء غريزي  مع دخول ثورة الشباب اسبوعها الثالث ، واليكم انتواءاتي :
اعرف ميدان التحرير ومجمع الدوائر الكبير المتربع  في واجهته  معرفة جيدة ، ومعرفتي بالميدان الذي ولدت فيه ثورة الشباب وبات اكثر شهرة  من اهرام  الجيزة وبرج القاهرة  تعود الى اني اقمت في  القاهرة لفترة غير قصيرة في اواسط  سبيعينيات القرن الماضي وهناك التقيت صدفة  بصديق كنت اضعته منذ ايام الصبا ، فعثرت عليه في شارع كورنيش النيل بينما كنت في طريقي من مسكني في حي العجوزة الواقع عند الطرف الغربي  لكوبري 6 اكتوبر ، وبعد العبط واللهط والسلامات والتحيات اكملنا السير معا الى المتحف ثم حي جاردن سيتي الراقي وصولا الى ميدان التحرير حيث المجمع الحكومي الذي كان احتله عادل امام  للمطالبة بكباب  لمجموعة من الجوعى  ، ومنذ ذلك اللقاء والصدمة تسيطر على كياني ، فصديقي  توفي بعد عام من لقاءنا العرضي  في حادث سير في الميدان ، ولم يقم له احد نصبا تذكاريا ولا حفل تابين في المكان ، فصرت اذهب الى هناك  مشيا في كل مرة اسافر فيها الى  القاهرة  لاقرا الفاتحة على روحه وامكث هناك الى ان يغلبني التعب والحزن فاستقل سيارة  تاكسي عائدا الى مسكني  بشارع نوال  في  العجوزة .
في تلك الايام حيث كان الرئيس السابق انور السادات في سدة الحكم خلفا للراحل الكبير جمال عبد الناصر ، كان الشارع المصري ينوء تحت طائلة الفقر وسمعت شبانا مصريين  يترحمون على ايام الملك فاروق الذي اطاحت به ثورة يوليو ، في تعبير مأساوي عن المعاناة التي يكابدونها نتيجة الفقر والبطالة ، وكنت اشاهد اثار ذلك في  الفقر المدقع في وجوه الناس  في احياء  بائسة  كالعجوزة وشبرا والمنيل وغيرها ، واشعر بفادحة الامر وانا ارى الحافلات وهي تزدحم بالركاب وهم متراصون بعضهم ببعض ، وما ينتج عن ذلك من اعمال تحرش وسرقات بصورة تتكرر كل يوم ، وذات مرة شاهدت بعيني كيف تمكن فتى في الخامسة عشرة من عمره من سرقة احد ركاب التراماوي في محطة الرمل بمدينة الاسكندرية ، ولم يلق احد من الناس بالا  لذلك او يعره اهتماما  فقد اعتادو على مثل هذه المشاهد ، وذات مرة وبينما كنت واصحابي في الطريق الى الجامعة  شاهدنا فتى وهو يدس يده في جيب احد الركاب فيسرق محفظة نقوده  ويقفز من الترام ويختفي في الازدحام ، فما كان من احد الزملاء الا ان قفز خلفه للامساك به فكسرت ساقه وضاعت محفظة  نقوده  ، واضطررنا الى جمع تبرعات  لزميلنا الكسير  لمساعدته على مصاريف العلاج  والاكل والمسكن  والدراسة  لذلك  الشهر .
 لم تتحسن الاحوال لا في زمن الرئيس انور السادات حيث اندلعت انتفاضة الخبز سنة 1977 واجهضت بالقوة ، كما لم تتحسن الاحوال ايضا بعد مقتله وهو الذي كان قد حقق قبل سنوات قليلة انتصارا تاريخيا على اسرائيل في حرب اكتوبر واصبح بطلا قوميا يتغنى باسمه كل المصريين  وبعد ذلك بسنوات عقد معاهدة سلام  مع اسرائيل تسببت لمصر بجرح غائر من جانب اشقائها العرب وادت الى مقاطعة العرب لها لسنوات طويلة ونقل مقر الجامعة العربية الى تونس ، وبعد اغتيال الرئيس السادات في حادثة المنصة برصاص جندي اسلامي بايام تولي الرئيس حسنى مبارك الحكم  وما زال منذ  نحو ثلاثين عاما .
واصلت الاوضاع التدهور فتفاقم الفقر واستفحلت البطالة اكثرمن ذي قبل ، وبدأ الملايين من فقراء المصريين في البحث عن بلاد اخرى  غير بلادهم  توفر لهم لقمة العيش  فزحفوا الى كافة  انحاء الكرة الارضية  بحثا عن حياة افضل لهم ولذريتهم ، وبقيت احوال البلاد على حالها فلم  تتحسن ولو بقدر بسيط  فازداد الفقراء فقرا وجوعا ، ورتع الاغنياء في نهب الاموال وانتشر الفساد في اوساط الطبقة الحاكمة والمقربين منها ، وازداد احتقان الناس ونقمتهم وطال صمتهم  ، وخيل الى كل من زار مصر في تلك الفترة ان هذا الشعب قد تعود الخنوع نتيجة الفقر ولن تقوم له قائمة مثله في ذلك مثل بقية الشعوب العربية الخانعة لسطوة الحكام .
الا ان الكيل كان قد طفح  فلم يلبث الجوعى ان انتفضوا واندلعت ثورة الميدان  قبل اسبوعين من الان متأثرة بشرارة الثورة التونسية التي اطلق عليها ثورة الياسيمين للتدليل على نعومتها وسرعتها ، بدلا من تسميتها بثورة الصبار نسبة الى القرى التي انطلقت منها  كبلدة سيدي بوزيد  مسقط راس الشهيد  محمد البوعزيزي .
مرة اخرى اقول انني لم اكن انتوي ان احشر نفسي في مشهد  الحكاية المصرية بقدر ما انتويت التنبيه الى ان الفقر والبطالة والمأساة الاجتماعية التي يعيشها المصريون منذ عشرات العقود والتي تناولتها عشرات الافلام والمسلسلات  المصرية ، كانت هي الشرارة التي اشعلت غضب المصريين  ، واود التنويه هنا الى ان شعبا اخر غير الشعب المصري الصنديد كما الصخر لم يكن ليصبرعلى عيشة كتلك ، فالفقر الذي لا يمكن مشاهدته في اي بلد آخر، اصبح يداهم كل بيت ويعيث فاسدا بين اهله ، فالشباب لم يعد  قادرا على الزواج  ، وازدادت نسبة العنوسة بين الفتيات ، وشحت مصادر الدخل والمعيشة واقتصرت  الوظائف على نسبة قليلة من الناس .
لم اكن اعرف ان سرالبقاء والاستمرار والتغلب على شظف العيش يحتاج الى كود خاص لا يملكه الاالمصريين  ويكمن في  دماثتهم  وتماسكهم وذكائهم وسرعة البديهة وخفة الدم وطيب المعشر، اضافة الى ما يتحلون به من مشاعر قومية ووطنية عارمة وحبهم الشديد لوطنهم ولبعضهم البعض ، ولهذا لم استوعب كيف استطاع مصريون في بداية الانتفاضة الشعبية قتل مصريين اخرين بدم بارد ، لكني قدرت ان الواقفين وراء هؤلاء هم المجرمين الحقيقيين الذين استخدموا البلطجية لاشاعة الفوضى  وتحقيق اغراضهم  .   
ولكن لماذا لم يتغير شيء منذ اواسط سبيعينيات القرن الماضي وحتى الخامس والعشرين من يناير الماضي تاريخ اندلاع ثورة الشباب ضد النظام اي اكثر من خمسة وثلاثين عاما  فقد سارت  احوال الناس الاقتصادية والاجتماعية والانسانية كذلك من سيء الى اسوأ بل ان الظروف المعيشية زادت تدهورا  ؟
هل لان عدد السكان قد تضاعف باكثر من عشرين مليون شخص وهذه الزيادة ادت الى تفاقم  البطالة وانتشار الفقر بين الغالبية العظمى من الناس ، ام ان النظام لم يبادر الى وضع  الحلول والخطط الكفيلة بتحقيق الجزء اليسير من المطالب والاحتياجات الحياتية الاساسية  للمصريين ، ربما ان الزيادة السكانية  بهذه النسبة المرتفعة كانت سببا في تغلغل الفقر وهو الذي دفع الغالبية العظمى من المصريين بما يصل الى تسعين في المائة منهم الى التسول بطريقة مشرفة الى حد ما .
كنت اشعر بالحزن الشديد يغمر كياني وانا ارى كيف ان الحاجة  الى توفير لقمة العيش تجبر ضابط الشرطة والجندي وهما رمز القاتون والامن على مد ايديهم للسائحين العرب  والاجانب  للحصول على جنيهات  قليلة  مقابل عبارة (كل سنة وانت طيب يا باشا) ، وفهمت لماذا ينكسر الواحد من هؤلاء لاحد اقل منه شأنا وعلما ، وهذا الحزن الذي كان يصيبني كلما زرت مصر لازمني لسنوات عديدة اخرى ، وبقي هذا الشعور مسيطرا علي وعلى غيري من الغيورين على ابناء امتهم  الى ان اندلعت ثورة الشباب في الميدان ايذانا بان التغيير قد بدأ  فتنفسنا الصعداء .
لست افخر بانني مدافع  شرس عن المصريين امام الاتهامات الجزافية التي كانت تكال   لهم بانهم اذلاء رغم ان اصحاب تلك الاتهامات  كانوا يتمرغون في خيرات مصر وفي اجوائها االمفعمة بالتاريخ والحضارة والسخرية وخفة الدم  والشهامة والبطولة  والشهداء الذين سقطوا من اجل القضية الفلسطينية والقضايا العربية الاخرى ، وكنت اقول لاؤلئك العرب بان هذا البلد العظيم  هو الذي انجب عشرات الالاف  من العباقرة والحكماء والعلماء والادباء والمفكرين وهو ما عجزت كل الامم والدول بما  فيها دول عربية متخمة بالاموال وخيرات الارض  عن انجاب من هم اقل شأنا  .
هو الفقر والعوز والاستعباد والاذلال الذي مورس ضد المصريين في بلدهم منذ مئات السنين والذل والانتقاص من انسانيتهم الذي يلاقونه من ذوي القربى في الدول العربية  التي يتواجدون فيها من اجل توفير العيش الكريم ، ما دفع الى تفجر هذه الثورة الشبابية التي عرفت  تقنيا بثورة فيس بوك ، بينما هي  ببساطة  ثورة شعبية ضد الجوع والهوان .
هذا ما انتويت قوله تعبيرا مني عن مشاعري  المخلصة من انسان عربي شرب من مياه النيل فعاد اليه مرات ومرات ـ فرأيت ان من واجبي القومي والوطني والانساني ان اصرح بمشاعري تجاه مصر وشعبها داعيا الى مواصلة الانتفاض السلمي في ميدان التحرير بالقاهرة  وغيرها من المدن والقرى الى ان يتحقق الحلم  ..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق