الخميس، 3 فبراير 2011


أنا  والبحر ....!!
باسم ابو سمية
         اليوم تعمدت ارتكاب عدة مخالفات للبروتوكول الخاص بالمثقفين ، ففعلت ما لا يفعلونه في العادة ، افقت مع طلوع الشمس ، اغتسلت وجففت شعري وسرحته ورششت بضع بخات من العطر على وجهي ، وتناولت قهوتي ، وارتديت ملابس رياضية انيقة وحذاء ثمينا ، وهرولت مشيا على الاقدام الى حيث صديقي  الذي تعرفت اليه منذ ستة شهور فقط واقمنا صداقة متينة .
اعتدت الذهاب اليه يوميا احيانا في الصباح واخرى قبل الغروب حيث يشدني انعكاس اشعة الشمس على امواجه المنسابة  ، واليوم الهمني صديقي بكتابة هذا الموضوع ،  ومنذ ان تعرفنا على بعضنا حرصنا على الالتقاء  في نفس المكان فنتجاذب الحديث في مواضيع كثيرة  ، في السياسة والثقافة والاقتصاد وفي شؤون النساء  ، وهو الوحيد الذي يكشف الاسرار ويحفظها وبشكل خاص اسرار النساء عندما يرتمين في احضانه دونما حياء ولا  وجل ، وصديقي خبير في اسباب الفوضى التي تميز مدينة بيروت عن غيرها من المدن فهو يعرفها تماما ، فقد ولدت على يديه وكبرت امام عينيه  ، وعاش معها ابان الحروب التي شهدتها لسنوات طوال ، وكنت  انا حين نلتقي احرص على ان  اشكو له حالي مثلما كان هو يشتكي لي احواله ، ثم  اعود ادارجي الى منزلي الذي لا يبعد كثيرا عنه  .
 كان يضحك  كثيرا حين اقول له ان احوال السياسة لهذا البلد  لن تنصلح الا بتوقف سيارات الاسعاف عن الزعيق ، واحترم الناس القوانين ، ويتوقف السياسيون عن التحليلات  وشتم بعضهم ، لكن المشكلة هنا اعتقادهم  بانهم شعب الله  المختال ، معتمدين على اناقتهم  وقوامهم الممشوق الذي احسدهم عليه  وهم ايضا متحدثون لبقون ، ونساؤهم يثرن الشهوات ويشعلن الرغبات ، ولذلك يعتقدون ان اخطاءهم مغفورة  ، ويرد صديقي ساخرا  : هذا ما يميز اللبنانيين  ، ويطلق ضحكة مجلجلة  .
لم اره منذ ايام طويلة امضيتها طريح الفراش ، فوجدته منشغلا في تنظيف الشاطيء  بيديه العاريتين  من اثار الزبد الذي حملته امواج الليلة الماضية وما اتت به الرياح من انباء الدول الساكنة على شواطئه البعيدة  ، كان ممتعضا حزينا وليس له خلق  للحديث ،  مثلما  يقول اهل بيروت .
 بادرني بالقول : ماذا جرى لك ، اين كنت طيلة الفترة الماضية ، لم ارك منذ مدة ، هل انت بخير ، هل سافرت الى بلاد اخرى  ، ام ماذا ؟ .
قلت : لم اسافر ، لكنني مجهد بعض الشيء من كثرة الادوية التي اتناولها كل صباح .
قال : لانك لم تلتزم بما اتفقنا عليه ، فعلاجك بين يدي  ،  فما عليك الا ان تأتيني يوميا  فنمشي معا لساعة وسترى كيف ستكون ، انظر الي ، الا تراني  ممشوقا ونشيطا وشابا ، انا اكبرك كثيرا جدا  .
قلت : انت ليس في مثلك شيء  ويمكنك ان تعمل عارضا للازياء  ان اردت ، ، ولكن قل لي : اراك ممتعضا ،  فما بك ؟ .
قال : لم يعد الكثير من اصدقائي  ياتي الي  ، يبدو انهم لم يعودوا يثقون بي ، لقد بت  اخشى الا ارى احدا منهم ،  فلا اتبادل معهم الاحاديث  ولا نمضي الليل معا ، لقد تعودنا  الحديث عن  امور الحياة وعن العشق والهوى  والنجوى واشياء اخرى لا تقال الا في اخر الليل  .
قلت : ربما انهم منشغلون في تحصيل لقمة العيش ، ثم  لا تخشى عليهم فهم يسعون الى  التغيير .
وتابعت ساخرا : ومع ذلك اطمئن فسيأتون اليك قريبا وستسأم منهم وستشتكي لي من تصرفاتهم المزعجة وقاذوراتهم  التي يلقون بها في وجهك ،  مثلما كنت تقول لي دائما .
اجاب : يبدو ان بالي  سيظل مشغولا  لمدة طويلة ، وعليك ان تعتاد  امتعاضي  ، فهذه السنة هي سنة التغيرات في كل الاماكن التي اعرفها وتعرفها انت .
واضاف : لم اكن قلقا طوال حياتي مثلما انا هذه الايام ، اذكر مثلما حدثني اجدادي ان احوالا كهذه  حصلت قديما  فتبدلت اقوام وجاءت اقوام اخرى  ، ولهذا السبب فانني  لم اذق طعم النوم منذ زمن طويل ، بعكس ما تفعله انت وامثالك  فانت تأكل وتلعب وتشاهد التلفزيون وتقرأ الصحف ثم تخلد الى النوم مثلك مثل بقية الاصدقاء ، اما انا فكل ما افعله هو الاكتفاء  بالاستلقاء قليلا على شواطئي نهارا وامضي الليل ساهرا احدق في اعماقي كي لا يتسلل احد من البصاصين  .
قلت ضاحكا :  ماذا ؟ يبدو انك  عملت في غيابي  مسؤولا عن الامن ، ام انك كذلك من قبل ولم تقل لي ؟
قال: لست موظفا رسميا ، ولكن هذه هي مهمتي التي ورثتها عن ابائي واجدادي ، فانتم تستغرقون في نومكم وتتثائبون  وتشخرون ثم تستفيقون في ساعة متأخرة  من اليوم التالي  ، وانا اسهر على راحتكم طوال الليل والنهار ، الا  تعلم ؟
قلت متلعثما : بلى  ، اعلم  ، ولكن لماذا اذن السلطات والحكومات واجهزة الامن ، ولماذا يضطر الناس الى خوض ثورات التغيير  وما الى ذلك ، الست انت من يمكن ان يقوم بذلك ، فيكفي ان تمد قامتك الى اي مكان فتغير  كل شيء ، سواء حكومات ام انظمة  ام مجلس ادارة مؤسسة او نقابة ؟؟
قال :  هذا كلام  مثقفين ، مجرد نظريات  وتحليلات ، فمهما يكن لي من سطوة فاني احتاج الى مفكرين للتخطيط واخرين للتنفيذ  ، فانا لا استطيع التفكير  ..
اجبت : معك حق فالغالبية هم انتهازيون ينظرون ويحللون ولا يفعلون شيئا سوى الجلوس في جماعات او فرادى في اماكن معتمة ومغلقة ومليئة بدخان السجائر  يشربون الخمر والجعة اويحتسي بعضهم  القهوة ويكتبون المقالات وقصائد الشعر ، ويقولون فيها مثلا :  " احتسيت القهوة حتى الثمالة وشربت قليلا من الخمر اللذيذ  يفرح القلب مثلما قال السيد المسيح  ، ونفثت دخان سيجارتي في الهواء ، او أن على الجهة الفلانية فعل كذا وكذا ، فهذا هو الحل النموذجي للمعضلة ،  اليس هذا ما قاله ديكارت " ، وهكذا دواليك .
وتابعت الحديث : بعد ذلك  يذهب هؤلاء  الى النوم دون ان ينظفون اسنانهم من بقايا السجائر او يستحمون ، ويستمرون في نوم عميق حتى نهاية اليوم التالي ، وعندما يستفيقون يداهمهم الصداع  من اثار الخمر فيجدون ان التغيير قد حدث ، فيشرعون في الكتابة والتنظير،  كيف انهم قالوا كذا وحذروا من الاثار السلبية لهذا التصرف او ذاك ، وانهم نصحوا بكذا واقترحوا كذا ، وهكذا دواليك ، ويريدون ترشيحهم للقيادة ، اليست هذه حالة مريرة تجسد الانهيار ؟
اجبته : ربما لهذا تعمدت اليوم ارتكاب عدة اخطاء فاضحة لبروتوكولات المثقفين لعلهم يتنبهون الى ضرورة تغيير انفسهم قبل التفكير في تغيير الاشياء  ..ولكن اطمئن فالاعتماد يكون على الجماهير في احداث التغيير المطلوب وليس على النخبة النائمة ..!!  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق